السكان
عمدت الحكومات المصرية المتعاقبة منذ عام 1981 للعمل على وضع خطط و برامج توعية تحفيزية للتحريض على تنظيم الأسرة وتحديد النسل بين قطاعات الشعب المصري ، أخذة في ذلك بتوصيات خارجية وداخلية تقضي بأن الزيادة السكانية المطردة والسريعة تحول دون الأستفادة من انجازات الأصلاح الأقتصادي والتنمية لأنها تأكل القيمة المضافة للأقتصاد أولا باول فلا يشعر المواطن العادي بأي تحسن أو انجاز تم ، ومع وجاهة هذه الحجج من الوهلة الأولى و رغم المجهود الكبير الذي انفقته الدولة في هذا الأتجاه والحملات الأعلامية و انظر حولك ........ألخ وما انفق من ملايين الجنيهات على ذلك ، فان الدولة لم تجني شيئا يذكر من وراء كل هذا و جاءت النتائج طفيفة ومخيبة لأمال الدكتور / ماهر مهران ومن سبقه ومن لحق به !!!!! بل أن الزيادة السكانية تحولت للشماعة الأسهل والأسرع التي تستخدمها الحكومات المتتالية لأخفاء وتبرير فشلها وعجزها في تحقيق طفرات اقتصادية على غرار ما حدث في جنوب شرق أسيا و كوريا و الهند والصين والبرازيل و الفلبين و أندونيسيا و غيرها من الدول التي بدأت معنا أو بعدنا ثم سبقتنا بينما لم نبارح مكاننا بل ربما تراجعنا للوراء ، والحقيقة أن الزيادة السكانية في رأيي المتواضع بريئة من المسئولية عن هذا الأخفاق الرسمي للحكومات ، لكن الحكومات نجحت في ان تقنعنا بعكس ذلك لثلاثة عقود ، و أن تورط النظام في ان يردد مثل هذه الأدعاءات في مناسبات مختلفة ليغطي موقف السلطة التنفيذية وأداءها الأقتصادي المتواضع لسنوات طويلة وبالتالي يدافع عن وجوده في السلطة ، و الواقع أن السياسات العقيمة للدولة في التنمية البشرية تعد المسئول الحقيقي عن ظلم الزيادة السكانية و اتهامها هذا الأتهام الباطل ، ذلك ان دولة يعيش سكانها على أقل من 10% من مساحتها و وأكثر ما تصدره من العمالة للخارج لدول الخليج هى العمالة العادية ( الفواعلية ) بينما تكاد تحتكر دولة مثل الفلبين مهنة التمريض في منطقة الخليج العربي بعد أن كانت المصدر الأول للخادمات هناك ، مما يدل على أن ثمة تطورا نوعيا حدث في الفلبين جعلها تطور من عنصرها البشري على النحو الذي يضاعف من قيمته في سوق العمل الدولية و في الوقت الذي تصدر فيه دولة مثل غانا لأوروبا حوالي 1000 لاعب سنويا للأحتراف في لعبة كرة القدم فقط ، في حين تصدر أندونيسيا للخليج العربي ما يقرب من 15000 خادمة كل شهر ، و بالطبع ليس المقصود أن نصدر الخادمات للخليج ،لكن ذلك يعد مؤشرا يوضح ان دولة بحجم مصر تفتقد لخطة واضحة للتنمية البشرية و تعتمد على نظام تعليم هش ومنفصل عن أحتياجات سوق العمل ، لوجود خلل في التركيبة الهرمية في حجم كل من التعليم الأساسي و المتوسط والعالي (1) ناهيك عن رداءة العملية التعليمية برمتها ، ونسيت الحكومات المصرية او تناست عامدة ما يحدث في كل من الصين والهند من تنمية بشرية بوصفهما دول مليارية سكانيا حولت هذه المليارات الى عامل قوة وانتاج يعضد الأداء الأقتصادي ويضيف له و تجاهلت حكومات مصر قيمة الزيادة السكانية للأمن القومي المصري ، كما تجاهلت كذلك ما اصاب دول اوروبا المتقدمة من شيخوخة جراء ثقافة تحديد النسل بل وألغاؤه وتاجيله لأجل غير مسمى وبالتالي احتياجها المستمر للعنصر الاجنبي ليغذي سوق العمل هناك مع ما يحمله معه من عادات وتقاليد ومعتقدات مغايرة بات يخشاها الغرب ويعمل لها ألف حساب ، و الحقيقة ان نظرة متأنية لموارد مصر الأقتصادية يتبين لنا أنها موارد تتأرجح بين كونها ضعيفة أو متذبذبة او أخذة في النضوب والتلاشي ، ومن ثم فان أكثر ما يميز مصر ويمثل املا لها هو العنصر البشري القيم في حالة الأعتناء به وتنميته و اعداده الأعداد الجيد ، ذلك أن ألقاء نظرة سريعة على الصناعة المصرية مثلا يتضح أن فرصتها ضعيفة في المنافسة عالميا ألا في مجالات محددة قد يكون لنا فيها ميزة نسبية كالدواء والسيراميك والسجاد والبتروكيماويات و مع اهمية تلك الصناعات غير أنها لا تمثل مستقبلا للصناعة ولا يمكن ان يعول عليها كقاطرة للتنمية اذا ما علمنا ان الهند واسرائيل تصدر سنويا بمليارات الدولارات من صناعة البرمجيات و الصناعات الحربية فقط ، و لا يقلل ذلك من المدن الصناعية وما تحتويه من مصانع وصناعات تحاول جاهدة الصمود أمام نمور اسيا ، غير أن التنين الصيني اجبر الدول الصناعية الكبرى ذاتها على نقل صناعتها اليها للأستفادة من الوفورات الهائلة ، اما الزراعة فحدث ولا حرج فمن تأكل الرقعة الزراعية القديمة أمام الزحف العمراني الى تكاليف الأستصلاح الضخمة في ظل ندرة المياه وتجمد حصة مصر من النيل عند 55.50 مليار متر مكعب مع ما يكتنف مضاعفتها من صعوبات سياسية و أتفاقية ، بعد ان نضجت دول حوض النيل وراحت تبحث عن حقوقها المفقودة في النيل و أستغلال بعض القوى ذلك لتحريضها ضد مصر مع تقاعس مصر بكامل اجهزتها عن احتواء هذه الدول كل ذك يجعل التوسع الزراعي بشكل يحقق الأكتفاء الذاتي في مصر والتصدير ضربا من الحلم ومن ثم فلا يمكن الأعتماد على النشاط الزارعي كمحرك للتنمية و ليس ادل على ذلك من بحث الدولة مؤخرا عن تاجير أراضي في دول أخرى للأستثمار الزراعي مثلما يتم التفاوض عليه مع أوغندا مؤخرا ، واذا ما انتقلنا للموارد المتذبذبة نجد أن السياحة و قناة السويس هما ابرز تلك الموارد نظرا لحساسيتهما المفرطة للتقلبات العالمية من جهة وحساسية السياحة بصفة خاصة للأحوال الداخلية و مدى حالة الاستقرار السائدة في المجتمع ، فضلا عن المنافسة الشديدة ايضا من المنتج السياحي الأقليمي في تركيا وقبرص وتونس ولبنان و الأردن واسرائيل ، ولعل الأزمة العالمية الأخيرة و كذا الأحداث الأرهابية التي تحدث بين الحين والأخر خير دليل على تأثر عائدات كل من القناة والسياحة و جعلهما من الأنشطة التي لا ينصح بالأعتماد عليها كعمود فقري للأقتصاد المصري و ثمة سبب سياسي اخر يتلخص في ان التوسع السياحي وازدياد هذا النشاط يكبل حرية الدولة السياسية و الأمنية في اتخاذ بعض القرارات السيادية خشية تاثر نشاط السياحة من جراء ذلك وخسارته ، اما الموارد الأخذة في النضوب فهى من دون شك الثروات الطبيعية من البترول والغاز والمعادن الأخرى و التي اكدت الدراسات نضوبها خلال اقل من عشرين عاما على أكثر التقديرات تفاؤلا، و التي لا تتمتع فيها مصر بانتاج غزير او باحتياطي معتبر ، وعليه فان العنصر البشري المصري والذي يتكون أغلبه حاليا من الشباب هو الأمل الحقيقي في تحقيق التنمية والرخاء لبلادنا اذا ما احسن استغلاله والأستثمار فيه علميا وثقافيا ودينيا واخلاقيا ، ولو ان كل ما صرف على تنظيم الأسرة وتحديد النسل وجه نحو التعليم والتدريب لكان الحال غير الحال.
الخميس، 18 مارس 2010
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)